السياج ....معسكر الذهب ٢

عند مدخل السياج عارضة حديدية تتحرك نزولا و صعود مثل ( أشيلال) . بمجرد أن لاحظ سيارتنا المزركشة بشعار ( الموريتانية ) ترك الحارس و عمله و هرول نحونا مستقبلا ، هاشا باشا و غير عابيء بالإنسداد المروري الذي تسبب فيه 

ورائه. 

"

و خيرت التلفزة" هتف الرجل . استقبلته نازلا من السيارة بعد أن طلبت من المصور أن يفتح المكرو اللاسلكي المعلق خفية فى قميصي.  و هذه هي طريقتي فى العمل اسجل كل شيء و بعد ذلك اقرر مايصلح للبث. أكره أن أفوت ( اللقطات  الحية )  لست أبالغ إذا قلت لو أن زلزلا ضرب فى ذلك الوقت و الكاميرا على غير و ضعية التسجيل لذهلت عن الاحداث من شدة أسفي على تفويت الصور . لقد قطعنا مئات الكيلومترات . لم نأت من أجل السياحة، و لا من أجل التنقيب.  آلة التصوير الثقيلة فوق كتف ( صلاح) تجعله أبعدنا عن مزاج السياحة . و لكنه ليس في مزاج سيء وهذا يكفي، مصورنا هو عيوننا التى لا نرى شيئا بدونها ، لذلك نسهر على راحته ، نفعل مايقول لنا ، بل و نتعاون على امداده بقنية أو نشعل له سيجارة إذا طلب . المهم أن لا نفسد عليه لحظات الالهام المقدسة. 

أخبرت الحارس أن لدينا موعدا مع مدير المنشأة.  فأبدى استعداده ليرافقني الى مكتب المدير ، لا حظت انه ترك عمله و تسبب فى زحمة عند الباب و لكن لم أمام حماسه لم اعترض.  فى الطريق اخبرني انه مجرد عامل متعاون فى الوزارة  و يريد الاكتتاب و....قلت له انني انا الآخر مجرد متعاون رغم أني اقود البعثة ، ثم نبهته الى الميكرو يسجل فى الكاميرا  عند المصور حنى لا يسترسل فى الحديث  . عند هذه النقطة توقف و عاد ادراجه بعد ان اشار الى بناية بعيدة على يمين المدخل " تلك مكاتب الادارة ....اطلب من المصور أن يأخذ مني لقطة " 

طلبت من المصور عبر اللاسلكي أنا لا يفعل.  فليست ملابس الرجل أولا مناسبة ، فقد حشر نفسه فى ماتيسر من قماش اغبر و حشر قدميه فى جوارب سميكة تظهر من نعله المخصص للحمام . لدينا تعليمات باظهار المصالح الحكومية بمظهر جيد، و هذه الاخيرة لا نشجع على ذلك.

فى طريقنا الى مكتب المدير كنا نلفت انتباه هؤلاء الملثمين. 

" اطرحو مشاكل المواطنين هنا " ....هتف بنا احدهم ..." ستقولون ان كل شيء على ما يرام قال أحدهم ساخرا. اعترضني اشخاص بعضهم راجل و بعضهم فى سيارة " ماهو موضوع البرنامج ؟"  استوقفني سائق و هو يطل من سيارته ، و قبل أن ارد عليه جاء ثان و ثالث و رابع بعد دقائق اختفى المصور فى الزحمة  و كنت أجيب بكلمة واحدة أكررها : الذهب ..الذهب ! 

أين المصور ، انه فوق السيارة . حركة ذكية .  الآن يمكنني ان اتحرك بحرية دون أن أخرج عن مجال رؤيته ( عدسته ).

أخذت قرارا ارتجاليا : يجب أن أؤجل مقابلة ( المسؤول ) الى حين  افرغ من الاستماع الى مشاكل هؤلاء الرجال داخل السياج . الاستماع الى هؤلاء أولا سيجعل اسئلتي للمسؤول أكثر و ضوحا . هناك اكثر من طريقة و لكنني كنت اعمل فى مساحة زمنية ضيقة بعد اقل من اربع و عشرين ساعة يجب ان يكتمل الفيلم و يكون جاهزا للبث! 

أخذت انظم المزدحمين حول الميكرو فى يدي ،  و اعلنت فيهم أننا سنجري مقابلة مع اي واحد يرغب فى الكلام. و لكن لابد من التزام الهدوء حتى نتمكن من التسجيل و أداء عملنا.

لعلها من اللحظات النادرة التى تنفذ فيها أوامري ( أنا المخلوق الضعيف )  بدون اعتراض ، و كانني قائد أو مدير أو شيء من ذلك  . الكل يريد كلمة أو   لقطة من نفسه  على الشاشة. لذلك انساقوا لتعليماتي بيسر و سهولة ، و بعضهم ابدى حماسه و أخذ ينظم معي و يهش على المشوشين. فهمت من تهافت المنقبين علينا كثرة المطالب والمشاكل الذين يريدون إيصالها. 

و فهمت من سؤال البعض إن كان تقريرا على نشرة الاخبار  أنهم تعودوا  على فريق الاخبار الذي يرافق  الزيارات الرسمية . 

و حاول البعض أخذي فى أحاديث جانبية. 

ينقسم رواد السياج الى عدة فئات حسب التخصص: 

هناك الناقلون و باعة الحجارة و يملكون مناجم صغيرة فى صحاري تازيازت المجاورو و  تسمى (الحسيان)  و تتراوح نسبة الذهب فيها و هناك العمال اليدويين الذي يستأجرون بنسبة معلومة و هناك ملاك المطاحن القاطنبن هنا فى السياج و قد خطط السياج لأجل هؤلاء و قسمت عليهم قطع ارضية . و يتراوح هؤلاء بين كبار المستثمرين الى صغارهم. بعد عملية الطحن تبدأ عملية التذيب فالصقل و لكل مهمة هنا رجالها. 

ثمة ممثلية للبنك المركزي داخل السياج لمن يريد البيع و لكن هناك ايضا سوق اسود فى مدينة لا أحد يحب الحديث عنه كما لاحظت، و سأعود لذلك لاحقا .  

فى الحلقة القادمة القادمة سنتحدث عن مشاكل المنقبين  و العاملين فى المجال و هو مجال أوسع من التنقيب و إن كان يرتكز عليه.

محمد الأمين ولد عبد الله 

 

يتواصل

©2021 El Khabir.info

Search