
تابعت، مثل كثير من المشاهدين، البودكاست الذي قدمه الزميل محمد السالك على قناة صحراء 24، والذي استضاف العقيد ولد الفايدة أ-طال الله بقاءه – في شهادة مطولة أعادت إلى الواجهة محطات بارزة من التاريخ السياسي والعسكري في بلادنا ،.. وكشفت تفاصيل ظلت لسنوات حبيسة ذاكرة من عايشوها أو كانوا قريبين من دوائر صنع القرار خلالها.
استعاد العقيد ولد الفايدة من خلال -شهادته- أحداثا ما تزال حاضرة في الوجدان الوطني، وفي مقدمتها إعدام شهداء الجيش أحمد سالم ولد سيدي، وعبد القادر، وانيغ مصطفى، والملازم دودو سك. وهي أحداث شكلت فصلامؤلما من فصول تاريخ البلد، ما تزال تداعياته الإنسانية والسياسية حاضرة في ذاكرة كثير من الأسر والموريتانيين عموما .
ومن بين أكثر ما شد انتباهي في هذه الشهادة ما رواه بشأن العقيد أحمد سالم ولد سيدي، رحمه الله.
فلأول مرة، على حد علمي، نسمع رواية مباشرة تفيد بأن العقيد ولد الفايدة كان وراء إيصال الرسالتين اللتين كتبهما أحمد سالم قبيل تنفيذ حكم الإعدام بلحظات ..وتكتسب هذه المعلومة أهميتها من القيمة الإنسانية والتاريخية التي تمثلها هاتان الرسالتان، اللتان تحولتا مع مرور الزمن إلى وثيقتين تختزلان مشاعر رجل كان يواجه مصيره الأخير بثبات وإيمان.

كما استوقفتني روايته المتعلقة بإكرامه واستضافته للعقيد أحمد سالم ولد سيدي ورفيقيه عبد القادر وانيغ مصطفى خلال تلك الفترة العصيبة. فالأمر يتعلق بزمن استثنائي بكل المقاييس، كانت الشكوك فيه تحاصر الجميع، وكان مجرد الاقتراب من متهم أو التعاطف معه كفيلا بإثارة الريبة. وفي مثل تلك الظروف، تكتسب هذه المواقف الإنسانية دلالات خاصة، لأنها تكشف جانبا آخر من العلاقات بين الرجال بعيدا عن حسابات السياسة وتقلبات السلطة. والأهم أن هذه الرواية جاءت متقاطعة إلى حد كبير مع الشهادة التي سبق أن قدمها ولد عيدلها ، أحد الناجين من تلك الأحداث وأحد أفراد مجموعة الكومندوز التي نفذت محاولة انقلاب مارس 1981 رفقة العايدين أحمد سالم وكادير، الأمر الذي يضفي على الروايتين قدرًا إضافيًا من الانسجام والمصداقية.

ومن الجوانب اللافتة أيضا ما حملته الشهادة من تفاصيل تتعلق بالشجاعة التي أبداها الذين واجهوا الإعدام. فبعيدا عن بعض الروايات التي حاولت لاحقا الانتقاص من مواقفهم أو تصويرهم بصورة مغايرة، جاءت شهادة العقيد ولد الفايدة لتقدم صورة رجال واجهوا لحظاتهم الأخيرة بثبات ورباطة جأش، وهي صورة تتقاطع مع شهادات أخرى أدلى بها أشخاص عايشوا تلك الأحداث أو كانوا قريبين منها.
العقيد تطرق كذالك إلى المحاولة الانقلابية التي جرت في الثالث من يوليو، والتي كان له دور في إفشالها، قبل أن ينتقل للحديث عن انقلاب 2005 الذي أنهى حكم الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع. وقد جاءت روايته للأحداث مشفوعة بتفاصيل عاش بعضها بنفسه واطلع على بعضها الآخر من مواقع المسؤولية التي شغلها داخل المؤسسة العسكرية.
وبعيدا عن الاتفاق أو الاختلاف مع مواقف الرجل السياسية، فقد بدا واضحا حجم الإلمام الذي يمتلكه بالأحداث التي تحدث عنها. ذاكرة دقيقة، وربط متماسك بين الوقائع وسياقاتها، وقدرة على استحضار التفاصيل دون تكلف أو استعراض. لذلك بدت شهادته أقرب إلى رواية شاهد عيان يسرد ما رأى وما عاش، بعيدا عن كتابة التاريخ من زاوية شخصية كما عهدنا عند البعض من من يدلون بشهادات مماثلة…
ولعل أكثر ما منح هذه الشهادة قيمتها – من وجهة نظري –
ذلك القدر من التجرد الذي طبع حديث صاحبها. فعلى الرغم من أنه كان من بين الضباط الذين تأثروا بالتحولات التي أعقبت انقلاب 2005، وتمت إزاحته من المؤسسة العسكرية في تلك المرحلة، فإنه لم يحول شهادته إلى مساحة للعتاب أو تصفية الحسابات، بل تحدث عن الأشخاص والأحداث بقدر ملحوظ من الهدوء والاتزان، تاركا للمشاهد حرية الحكم على الوقائع واستنتاج ما يراه منها.
ومن خلال ما أورده بشأن انقلاب 2005، يترسخ لدي انطباع شخصي بأن عنصر المباغتة كان أحد العوامل الأساسية في نجاح الانقلاب . فالمعطيات التي قدمها توحي بأن الانقلابيين استفادوا من ظرف خاص ومن لحظة لم تكن فيها وحدة اجريده مهيأة للتعامل مع ما حدث بالسرعة المطلوبة، وأن مسار الأحداث ربما كان سيختلف لو جرت المواجهة في ظروف أخرى.
سيداحمد سيدنا سيداحمد




