أخبارمحلية

ميناء الصداقة يحتضن احتفالًا صينيًا موريتانيًا بمناسبة زيارة سفينة المستشفى الصينية

ميناء الصداقة يحتضن احتفالًا صينيًا موريتانيًا بمناسبة زيارة سفينة المستشفى الصينية

نواكشوط – احتضن ميناء الصداقة في العاصمة الموريتانية نواكشوط، مساء اليوم، مناسبة احتفالية جمعت مسؤولين موريتانيين، وأعضاء السلك الدبلوماسي، وممثلين عن المؤسسات والشركات الصينية، وأفراد الجالية الصينية، إلى جانب ضباط وأفراد البحرية الصينية، وذلك بمناسبة زيارة سفينة المستشفى التابعة للبحرية الصينية «جيشيانغ فانغتشو» إلى موريتانيا.

 

وشكلت المناسبة محطة جديدة في مسار العلاقات الموريتانية الصينية، التي تمتد لأكثر من ستة عقود، كما حملت رمزية خاصة لاحتضانها في ميناء الصداقة، أحد أبرز المشاريع التي ارتبط اسمها بالتعاون بين البلدين منذ العقود الأولى التي أعقبت استقلال موريتانيا.

وحضر المناسبة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج محمد سالم ولد مرزوك، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي يعقوب ولد أمين، إلى جانب ممثلي عدد من البعثات الدبلوماسية المعتمدة في موريتانيا، ومسؤولي المؤسسات الصينية، وأفراد الجالية الصينية، وضباط وأفراد طاقم سفينة المستشفى الصينية.

وخلال كلمته بالمناسبة، رحب السفير الصيني لدى موريتانيا لي بايجين بالحضور، معتبرًا أن إقامة الاحتفال على ضفاف المحيط الأطلسي وفوق المياه الموريتانية تحمل دلالة خاصة، باعتبارها مناسبة تجمع بين البعد الوطني الصيني والبعد المتنامي للعلاقات بين بكين ونواكشوط.

كما عبر عن تقديره للحكومة الموريتانية ولمختلف الجهات التي ساهمت في تنظيم زيارة السفينة، بما في ذلك القوات المسلحة والشرطة وإدارة الميناء، مشيدًا بالتنسيق والترتيبات التي رافقت وصول السفينة وإقامتها في موريتانيا.

77 عامًا على تأسيس جمهورية الصين الشعبية

وتأتي المناسبة بالتزامن مع الذكرى السابعة والسبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، وهي ذكرى استُحضرت خلالها التحولات الكبرى التي شهدتها الصين منذ تأسيس الجمهورية عام 1949.

وأشار السفير لي بايجين إلى أن الصين انتقلت خلال العقود السبعة الماضية من مرحلة كانت فيها تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان تمثل تحديًا كبيرًا، إلى بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل، قبل أن تصبح ثاني أكبر اقتصاد عالمي منذ عام 2010، وفق المعطيات التي أوردها الخطاب.

كما تم التطرق إلى التحولات التي شهدتها الصين في مجال التحديث والتنمية، وإلى ما وصفه السفير بالاعتماد على الذات والعمل المتواصل عبر أجيال متعاقبة، معتبرًا أن هذه المسيرة أسهمت في تحقيق نمو اقتصادي سريع واستقرار اجتماعي طويل الأمد.

وتزامنت المناسبة كذلك مع انطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، في وقت تواجه فيه البيئة الاقتصادية الدولية تحولات وضغوطًا متعددة. وبحسب الأرقام الواردة في الكلمة، سجل الاقتصاد الصيني نموًا بنسبة 4.7 في المائة على أساس سنوي خلال النصف الأول من عام 2026، مع استمرار التحول في هيكل الاقتصاد وتسارع نمو محركات جديدة وتحسن جودة التنمية.

العلاقات الصينية الموريتانية.. أكثر من ستة عقود من التعاون

واستحوذت العلاقات بين موريتانيا والصين على جانب أساسي من المناسبة، حيث تم استحضار تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، التي يعود تأسيسها إلى أكثر من ستين عامًا.

وأكد السفير الصيني أن هذه العلاقات شهدت، على امتداد العقود الماضية، تطورًا مستمرًا على مستوى الثقة السياسية والتعاون الاقتصادي والتبادلات الشعبية، معتبرًا أن التجربة الموريتانية الصينية تمثل نموذجًا للتعاون بين دولتين ناميتين يقوم على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة.

ومن أبرز رموز هذا التعاون ميناء الصداقة في نواكشوط، الذي ارتبط منذ إنشائه بتاريخ العلاقات بين البلدين.

ففي سبعينيات القرن الماضي، كانت موريتانيا تبحث عن إنشاء ميناء عميق المياه في العاصمة، في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمامها للحصول على الدعم اللازم لهذا المشروع. وفي عام 1971، قررت الحكومة الصينية المساهمة في بناء الميناء، رغم الظروف الاقتصادية والمالية التي كانت تمر بها الصين في تلك الفترة.

واكتمل بناء ميناء الصداقة عام 1986، ليصبح خلال العقود التالية منشأة استراتيجية بالنسبة للاقتصاد الموريتاني، ووفق ما ورد في الكلمة، يتولى الميناء أكثر من 90 في المائة من إجمالي حركة الواردات والصادرات الموريتانية.

وبذلك لم يعد الميناء مجرد منشأة للبنية التحتية، بل تحول إلى أحد الرموز البارزة في تاريخ التعاون الموريتاني الصيني، وشاهدًا على انتقال العلاقات بين البلدين من مستوى التضامن السياسي إلى مشاريع ومصالح اقتصادية ملموسة.

لقاءات رفيعة المستوى ودفع جديد للشراكة

وتطرقت المناسبة إلى تطور العلاقات السياسية بين نواكشوط وبكين خلال السنوات الأخيرة، مع الإشارة إلى اللقاءات الثلاثة التي جمعت الرئيس الصيني شي جين بينغ بالرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني.

ووفق الطرح الصيني، أسهمت هذه اللقاءات في تعزيز التواصل بين قيادتي البلدين، ودعم مسار الشراكة الاستراتيجية القائمة بين موريتانيا والصين.

كما اعتبر السفير لي بايجين أن موريتانيا تمتلك عددًا من العوامل التي يمكن أن تدعم توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، من بينها الاستقرار السياسي والأمني، والانفتاح على الاستثمار، واعتماد سياسة خارجية توصف بالتوازن والعملية.

وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد مزيدًا من التعاون في مجالات الاستثمار والتجارة والتنمية، بما يتوافق مع أولويات البلدين.

إعفاء المنتجات الموريتانية من الرسوم الجمركية الصينية

ومن الملفات الاقتصادية التي حظيت باهتمام خلال المناسبة، مسألة تسهيل دخول المنتجات الموريتانية إلى السوق الصينية.

وأشار السفير إلى أن الصين بدأت، اعتبارًا من 1 ديسمبر 2024، تطبيق معاملة التعريفة الجمركية الصفرية على جميع بنود المنتجات الموريتانية المستوردة إلى الصين.

كما أشار إلى قرار تطبيق معاملة التعريفة الجمركية الصفرية بشكل شامل، اعتبارًا من 1 مايو 2026، على المنتجات المستوردة من 53 دولة أفريقية تقيم الصين معها علاقات دبلوماسية.

ويُنظر إلى هذه الإجراءات من الجانب الصيني باعتبارها فرصة أمام المنتجات الموريتانية للوصول بصورة أوسع إلى السوق الصينية، ولا سيما في ظل ضخامة السوق الصينية وتنوع الطلب فيها.

وأكد السفير أن اتساع فرص التبادل التجاري يمكن أن يساهم في دعم الاقتصاد الموريتاني وخلق فرص جديدة أمام المنتجين والمصدرين، إلى جانب تعزيز الاستثمارات الصينية في موريتانيا.

وفي المقابل، دعا الجانب الصيني إلى مزيد من الاهتمام بتهيئة بيئة أعمال جاذبة للاستثمارات الأجنبية وحماية حقوق المستثمرين، بما يسمح بتطوير التعاون الاقتصادي على أسس أكثر استدامة.

سفينة «جيشيانغ فانغتشو» تصل إلى موريتانيا

وفي قلب المناسبة، جاءت زيارة سفينة المستشفى الصينية «جيشيانغ فانغتشو»، التي شكل وصولها إلى نواكشوط محطة بارزة في التعاون بين البلدين.

وبحسب الكلمة، تمثل هذه الزيارة أول مهمة خارجية للسفينة منذ دخولها الخدمة، كما أنها تمثل الزيارة الثانية لسفينة مستشفى تابعة للبحرية الصينية إلى موريتانيا خلال عامين.

وتحمل سفن المستشفيات العسكرية، إلى جانب مهامها الطبية، بعدًا إنسانيًا في عمليات التعاون البحري الدولي، إذ يمكن أن تشكل وسيلة لتبادل الخبرات وتعزيز العلاقات بين القوات البحرية والمؤسسات الصحية في الدول التي تزورها.

وقد اكتسبت زيارة السفينة إلى موريتانيا أهمية إضافية لكونها تأتي في إطار علاقات ثنائية تتميز بوجود تاريخ طويل من التعاون والمشاريع المشتركة، وفي مقدمتها ميناء الصداقة الذي رست فيه السفينة خلال هذه المناسبة.

الصين ومقاربة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط

وتناول خطاب السفير كذلك التطورات الإقليمية والدولية، ولا سيما الوضع في الشرق الأوسط، حيث أكد الجانب الصيني أن تحقيق الأمن والاستقرار العالميين يرتبط بإنهاء حالات التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.

وفي هذا السياق، تم استحضار مواقف الصين الداعمة للحوار والسلام، والإشارة إلى ما طرحه الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته إلى مصر في مطلع سبتمبر من أربعة مقترحات لتعزيز الأمن المشترك في الشرق الأوسط.

وتتمثل هذه المقترحات، وفق ما ورد في الخطاب، في تعزيز القدرات الذاتية لدول المنطقة من أجل تحقيق الأمن المشترك، ودفع الحوكمة الشاملة للأمن الإقليمي، وترسيخ التنمية باعتبارها أساسًا للأمن، وتعزيز التنسيق الدولي من أجل دعم الاستقرار في المنطقة.

ويعكس طرح هذه القضايا في مناسبة موريتانية صينية اتساع نطاق الحوار بين البلدين من التعاون الثنائي إلى القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

الشباب في صلب التواصل بين الشعبين

ولم تقتصر الرسائل التي حملتها المناسبة على المستوى الحكومي والدبلوماسي، إذ شدد السفير الصيني على أهمية تعزيز التبادلات الشعبية، وخاصة بين الشباب.

ودعا الخطاب مزيدًا من الموريتانيين، ولا سيما الشباب، إلى زيارة الصين والتعرف عليها بصورة مباشرة، معتبرًا أن التواصل بين الشعوب يمثل عنصرًا أساسيًا في بناء التفاهم وتعميق الصداقة بين البلدين.

كما أكد أهمية استمرار التبادل بين المؤسسات والشركات والمجتمعات المدنية، إلى جانب التعاون الاقتصادي والسياسي، باعتبار أن العلاقات طويلة الأمد لا تقوم فقط على الاتفاقات الرسمية، وإنما تتعزز كذلك من خلال العلاقات الإنسانية والتواصل المباشر بين الشعبين.

نحو مرحلة جديدة من الشراكة

وفي ختام المناسبة، جدد السفير لي بايجين التأكيد على استعداد الصين للعمل مع مختلف الأطراف الموريتانية لتنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها بين قيادتي البلدين، ومواصلة تطوير مضمون الشراكة الاستراتيجية الصينية الموريتانية.

كما شدد على أهمية الانتقال بالعلاقات إلى مستوى جديد من التعاون ذي الجودة العالية، والاستفادة من الإمكانات المتاحة في مجالات التجارة والاستثمار والتنمية والتبادل الثقافي والإنساني.

وتحول ميناء الصداقة، الذي بدأ قبل أربعين عامًا كمشروع للبنية التحتية، إلى مسرح لمناسبة تجمع رموز التعاون الصيني الموريتاني في مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، في صورة تختصر جانبًا من تاريخ طويل بدأ منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية واستمر عبر مشاريع اقتصادية وتبادلات سياسية وشعبية متزايدة.

ومع وصول سفينة المستشفى الصينية إلى نواكشوط، بدا ميناء الصداقة مرة أخرى شاهدًا على مسار التعاون بين البلدين، لكن هذه المرة في سياق يجمع بين البعد الإنساني والعسكري والدبلوماسي، ويعكس اتساع مجالات التواصل بين موريتانيا والصين.

واختتمت المناسبة بتبادل التهاني والتمنيات بالازدهار والسلام للشعبين الموريتاني والصيني، والتأكيد على مواصلة تعزيز أواصر الصداقة والتعاون بين نواكشوط وبكين، وفتح آفاق جديدة للشراكة القائمة على التنمية والمصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى